أبو نصر الفارابي
34
الأعمال الفلسفية
وجعلنا الفعل على مقدار كلّ واحد من هذه . فحينئذ نكون قد أصبنا الفعل المتوسط » . - ونظرا لاختلاف مستويات الأفعال الخلقية ؛ لذا نجد أنّ الوسط الأخلاقي يختلف قوّة وضعفا ، سلبا وإيجابا ؛ حسب أفعاله وغاياتها . ويحاول الفارابي هاهنا سوق نماذج لأفعال الوسط الأخلاقي ؛ محتذيا بها إلى حدّ كبير حذو أرسطوطاليس في كتابه المشار إليه سابقا . . . فمثلا : « إنّ الشجاعة خلق جميل يحصل بتوسط في الإقدام على الأشياء المفزعة والإحجام عنها . والزيادة في الإقدام تكسب التهوّر ، والنقصان في الإقدام يكسب الجبن ؛ وهو خلق قبيح . . . والسخاء يحدث بتوسط في حفظ التقتير ؛ وهو قبيح والزيادة في الإنفاق والنقصان في الحفظ يكسب التبذير » . ومن ثمّة يشير إلى أوساط أفعال أخرى كالعفّة والظّرف والهزل والمجون والتودّد وغيرها ، منتهيا إلى أنّ « تحديد هذه الأشياء على الاستقصاء ليس يحتمله هذا الكتاب ، وقد أستقصي في موضع آخر » . - لعل الفارابي يعني في هذا الاستقصاء كتابه الذي ألّفه شرحا على كتاب أرسطوطاليس « الأخلاق إلى نيقوماخوس » الذي أشار إليه في مؤلّفه : « الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطوطاليس » 17 . والميزان الحقّ في الحكم على الفعل الخلقي هو أن « نحصي الأخلاق خلقا خلقا ، ونحصي الأفعال الكائنة عن خلق خلق ، ومن بعد ذلك ينبغي أن نتأمل وننظر أي خلق نجد أنفسنا عليه » بحيث يكون للإنسان السوي آلة يسبر بها غور أفعاله ؛ فما وجده منها يتصف بأنّه جميل وملذّ وغير مؤذ ؛ اعتبره خلقا سليما ؛ والعكس بالعكس . فكأن مراقبة النفس لكلّ فعل تقوم به واختيار الوسط من تلك